Friday, July 01, 2005

مثال على التقليد


مثال على التقليد
د. حمزة بن قبلان المزيني

شاع حديثا في المجال الفقهي في المملكة أنه ينبغي الرجوع إلى الدليل في استنباط الأحكام الفقهية وعدم التقليد المذهبي. لكن الممارسة الفعلية لا تؤيد في كثير من الأحيان مثل هذا الانطباع. ذلك أن بعض فقهائنا يكشفون أحيانا أن بعض الأحاديث التي يستشهد بها على بعض الممارسات ليست صحيحة من حيث الرواية، لكن هذا الاكتشاف لا يجعلهم يتخلون عن تقليد الفقهاء السابقين في العمل بتلك الأحاديث المشكوك في صحتها، بل إنهم يوردون بعض الحجج ليدافعوا عن التقليد السائد.ومن الأمثلة الأخيرة على هذا ما دار من نقاش عن دية المرأة: هل هي مساوية لدية الرجل أم إنها على النصف منه.وقد شارك في هذا النقاش الشيخ يوسف القرضاوي الذي أجاب حين سئل عن هذا الأمر مستشهدا بالآية الكريمة (النساء ‏92).‏ثم قال: "لا بد لمن يريد تجديد الاجتهاد في هذه القضية دية المرأة‏،‏ أن ينظر فيها من خلال أدلة الأحكام أو مصادر التشريع كلها‏:‏ القرآن والسنة والإجماع والقياس‏.‏والمصادر التبعية كلها المصلحة المرسلة والاستحسان وغيرهما‏.ومن نظر في القرآن‏ وجد فيه الآية الكريمة التي ذكرناها من سورة النساء،‏ وهي آية بينة محكمة واضحة الدلالة‏.‏والمتأمل في هذه الآية القرآنية‏‏ يرى أنها لم تميز في الحكم بين رجل وامرأة في وجوب الدية والكفارة‏،‏ والدية هي‏:‏ حق أولياء الدم‏،‏ والكفارة هي‏:‏ حق الله...".1
أما أحد فقهائنا الفضلاء فقد أجاب بإجابة وافية، حين سئل مثل هذا السؤال، أشار فيها إلى رأي الشيخ القرضاوي فقال:"ما نفاه فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في حديثه عن دية المرأة المسلمة في الخطأ، وأنها ليست على النصف من الرجل، مسألة مستندها جملة (دية المرأة نصف دية الرجل) تنسب إلى حديث عمرو بن حزم الأنصاري في كتاب كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لما بعثه إلى نجران - والحديث في أسانيده كلها نظر- قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ولا ينبغي الأخذ بها، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبدالله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وفي إسناد كل منها نظر)، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير على جملة (دية المرأة نصف دية الرجل): (هذه الجملة ليست في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنما أخرجها البيهقي في السنن الكبرى من حديث معاذ بن جبل، وقال إسناده لا يثبت مثله)، وقد تتبعت طرق وأسانيد حديث عمرو بن حزم المشار إليه في كتب السنة، ولم أجده مسندًا مرفوعًا إلى رسول الله بطريق صحيح، فضلاً عن أن الجملة المذكورة لا توجد في الحديث، مع أن (الوجادة) أضعف طرق تحمل الرواية عند المحدثين.
والغريب أن ابن قدامة في كتابه (المغني) حكى عن ابن المنذر وابن عبدالبر الإجماع على أن دية المرأة على النصف من الرجل، واستند إلى هذه الجملة التي لا توجد في حديث عمرو بن حزم، في حين رد على بعض المخالفين في تنصيف الدية، ووصف رأيهم بالشذوذ مع استدلالهم بجملة في حديث عمرو بن حزم موجودة في كل رواياته تقريبًا وهي (في النفس المؤمنة مئة من الإبل) فقد استدل لرأيه من الحديث بجملة مفقودة وحكم بشذوذ رأي مخالفيه باستدلالهم بجملة من الحديث موجودة، مع أن الحديث في صحة ثبوته نظر فضلاً عن الجملة موضع الخلاف حيث لا توجد في الحديث أصلاً، وما حكاه ابن المنذر وابن عبدالبر من الإجماع على النصف في دية المرأة إجماع لا يحتج به؛ لأنه إجماع في المذهب الواحد، وقد نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى إجماعات ابن المنذر وابن عبدالبر والنووي، حيث يذكرون الإجماع ثم يعقبونه بذكر الخلاف مما يدل على أنهم إنما يقصدون الإجماع داخل المذهب لا غير.
والقرآن الكريم ليس فيه دليل على تنصيف الدية بين الرجل والمرأة، ولم يثبت في ذلك حديث صحيح، وكل ما فيه حديث عمرو بن حزم.أما ثبوت أصل الدية - وأنها مئة من الإبل مختلفة الأسنان، وتقوّم أثمانها بالنقد والأعيان من زمن إلى آخر- فلا شك في هذا، بل إن جملة (في النفس المؤمنة مئة من الإبل) في حديث عمرو بن حزم ما يوصي بمساواة دية المرأة بدية الرجل؛ لأن كلاً منهما نفس مؤمنة، وأيضًا ثبوت القصاص بين الرجل والمرأة دليل قوي بالمساواة بالدية عند عدم القصاص كقتل الخطأ وشبه العمد، وقياس الجمهور دية المرأة على تنصيف الميراث مع الرجل قياس مع الفارق والعبادات والمقدرات لا يدخلها القياس. ومع هذا فإن ظواهر الأدلة مع ما يقوله الشيخ يوسف القرضاوي...".
والمتصوَّر، بعد هذه الإجابة المفصلة التي بين فيها هذا الشيخ الفاضل عدم وجود مستند نصي للقول بأن دية المرأة نصف دية الرجل، أن يكون الحكم المستخلص أن دية المرأة مساوية لدية الرجل.إلا أنه، وعلى غير المتوقع، أضاف: "ولكن حقيقة الأمر والصواب فيما يظهر لي - والله أعلم- مع القول بأن دية المرأة المسلمة في قتل الخطأ على النصف من الرجل لأمور منها: 1- إجماع الصحابة على هذا الأمر - أي التنصيف - حيث لم ينقل عن أحد منهم قال بخلافه، ثم اتفاق الأئمة الأربعة على هذا بمثابة الإجماع أيضًا، والإجماع عند العلماء أقوى من النص، فهو ينسخ ولا يُنسخ؛ لأنه لا يكون إجماعًا إلا وهو مستند على نص شرعي، سواء علمنا هذا النص أو جهلناه. 2- يوجد بعض أحاديث لم تصح نسبتها إلى الرسول، بل لم يوجد لها إسناد أصلاً، وقد اعتمدها العلماء كحديث (لا وصية لوارث) مع أنه لا يوجد له إسناد، ومع ذلك قالوا: إنه نسخ آية "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ" [البقرة:180]. فحديث عمرو بن حزم وإن ضعف إسناده فقد تلقاه العلماء بالقبول فيجب الأخذ به -سواء وجدت هذه الجملة أو لم توجد- (دية المرأة نصف دية الرجل) وربما يوجد كتاب عمرو بن حزم كاملاً في المستقبل وفيه هذه الجملة موضوع البحث فيرتفع الخلاف حينئذ.3- قال العلماء المحققون كابن تيمية والسبكي وابن عبدالسلام (إن شهرة الحديث تغني عن إسناده) فأخذوا بأحاديث في أسانيدها نظر، كحديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)، وحديث (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)، وحديث (اختلاف أمتي رحمة) ولا يوجد له إسناد البتة، وحديث معاذ لما أرسله الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضيًا (بم تحكم؟ قال بكتاب الله... الحديث) بل جعله العلماء دليلاً ومستندًا (للقياس) أحد أركان التشريع الأربعة مع ضعف إسناده. 4- إذا كان الناس عملوا بعمل -زمنا أو أزماناً- وهذا العمل لا يخالف نصًا صريحًا من القرآن أو السنة فإن نقلهم عنه أو الإنكار عليهم لا يجوز، وهذا يسمى عند العلماء (عمل الناس) والمراد بالناس العلماء، حيث هم قادة الأمة، ولهذا كثيراً ما يقول العلماء في كتبهم مثل هذا، فالإمام الترمذي مثلاً يذكر الحديث في سننه ويبين ضعفه أحياناً ثم يقول: "ولكن عمل الناس عليه". وقال في كتابه (العلل) كل ما في كتابي (السنن) ثابت يعمل به ما عدا أربعة أحاديث وذكرها. والمالكية جعلوا (عمل أهل المدينة) أصلاً من أصول التشريع بعد القرآن والسنة وقدموه على الإجماع والقياس".
ثم ينهي الشيخ الفاضل هذا البحث النفيس قائلا: "والخلاصة في الأمر أن ظواهر الأدلة مع الشيخ يوسف القرضاوي ومن وافقه ولكن لا أرى مصلحة في إثارتها في الوقت الحاضر، وعدم الخروج على ما أجمعت عليه الأمة عملياً منذ قرون خير من رأي يشوش على الناس ويهدم ولا يبني، والله أعلم".
وقد أوردت هذا الفتوى بنصها كاملة تقريبا، مع الاعتذار للقارئ الكريم، لكي أدلل على أن ما يشاع في المجال الفقهي عندنا من أن الاحتكام إلى النص هو الفيصل في اختيارات فقهائنا ليس على إطلاقه. ذلك أننا نجد هنا أن الحديث الوحيد الذي يمكن أن يستدل به على أن دية المرأة نصف دية الرجل لا يمكن الاحتجاج به.
ومع هذا يلجأ هذا الفقيه الفاضل إلى سبل أخرى، ربما لا تقنع كثيرا من الناس، لتثبيت هذا الحكم الذي ربما كان السبب في شيوعه قديما النظرة المتحيزة التي كانت سائدة في القديم ضد المرأة. ولا بأس من القول بأن السبب الذي جعل الشيخ القرضاوي يصل إلى هذا الرأي ربما يكمن في المكانة التي حققتها المرأة المصرية في هذا العصر، في المدن خاصة. أما نظرة فقيهنا الفاضل فمحكومة بالمعاملة التقليدية التي تعامل بها المرأة في مجتمعنا المحافظ.

Saturday, June 25, 2005

وأين كانت الهيئة؟


وأين كانت الهيئة؟

كشفت الأجهزة الأمنية في الأشهر القليلة الماضية عن عوالم سفلية تسكن قاع المدن السعودية كلها، بل تجاوزتها إلى القرى والبوادي. ولم يكن أحد يتصور أن هذا المجتمع الذي يبدو ساكنا في ظاهره محافظا في سلوكه ملتزما إلى أقصى حدود الالتزام بالمظاهر الإسلامية يخفي هذه العوالم التي بلغت حدودا قصوى من الإجرام والرذيلة.ومن اللافت أن هذه العوالم الخفية تسكنها أعداد ضخمة من العمالة غير الماهرة التي جلبها بعضنا لحاجة، وجلبها آخرون للتكسب من ورائها. وكان الانطباع العام أن هذه العمالة ربما تسيئ إلى الوطن من خلال الفساد المادي؛ لكن لم يكن أحد يتصور أن تبلغ هذه الإساءة تلك المستويات الخلقية المتدنية.والأكثر غرابة أن يحدث مثل هذا الاستشراء لهذه الأوجه من الفساد في بلد يفاخر بوجود جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خلاف ما نتوقع من أن تكون المملكة من أقل البلدان عرضة لمثل هذه الفواحش.ومما يشير إلى غفلة الأجهزة الأمنية وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن هذه المجاهل أنه مضى زمن طويل على وجودها حتى تنبه إليها بعض الصحفيين النابهين الذين غامروا بحياتهم ليدخلوا تلك العوالم ويتقصوا ما يدور فيها ويكشفوها للمواطنين وللأجهزة الحكومية. وهذا ما نبه هذه الأجهزة التي أخذت على عاتقها كشف هذه العوالم السفلية وتنظيف المدن والقرى والبوادي من مظاهر الرذيلة والخروج على الأنظمة.وتقع المسؤولية عن هذه الظاهرة على عدد من الجهات الحكومية؛ ومنها الجهات الموكلة بالاستقدام، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة العمل، والأجهزة الأمنية، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن غير أن أقلل من مسؤولية أية جهة حكومية فسوف أقصر حديثي هنا على مسؤولية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ذلك أن هذه المظاهر الخطرة لم تكن لتوجد لو قامت هذه الهيئة بواجبها في مراقبة هذه المظاهر التي تعد من أوضح وظائفها؛ إذ إن أكثر المشكلات التي كشفت الأجهزة عنها تتعلق بقضايا أخلاقية، وهو ما نذرت هذه الهيئة نفسها لمراقبته إلى أدق تفاصيله.ويبدو واضحا أن سبب تقصير الهيئة يعود في جزء كبير منه إلى أنها، ومنذ عقود، حصرت اهتمامها في عدد من القضايا البسيطة التي اختلف فيها المسلمون منذ قرون بعيدة؛ ومنها، مثلا، غطاء المرأة وجهها والنداء إلى الصلاة وإلزام الناس بإغلاق المحال التجارية أوقات الصلوات، ومنها، وهي خصوصية سعودية بامتياز، إلزام المرأة بوضع عباءتها على الرأس بدلا من الكتفين، ومراقبة فصل الرجال عن النساء في بعض الأماكن العامة، ومطاردة الشباب ومنعهم عن الدخول إلى الأماكن التي خصصتها الهيئة للأسر، وما شابه ذلك.وقل أن تجد مواطنا سعوديا لم يتعرض لبعض المشكلات مع الهيئة بخصوص مثل هذه الصغائر التي رُفعت إلى مصاف الكبائر في عُرفها. ومن الشواهد الأخيرة على استغراق الهيئة في هذه الأمور التي ربما لا ينظر الناس جميعا إليها على أنها أساسية ما كتبتْه الأستاذة نورة المسلم في جريدة الجزيرة (12/5/1426هـ) عن المعاملة القاسية التي تتعرض لها النساء من بعض العاملين في الهيئة في الحرم المكي الشريف. ومن أطرف ما ذكرتْه الأستاذة نورة أن الهيئة كانت تعامل السعوديات في الحرم المكي الشريف بشكل يختلف عن معاملتها لغير السعوديات! وربما كان هذا هو السبب الرئيس في استغراق الهيئة، في ذلك المكان وفي غيره، في محاولة إلزام السعوديات بأنواع من اللباس الذي لا تتطلبه في غيرهن. وهي نظرة تقوم على نظرة أخرى أعمق مؤداها أن للسعوديين خصوصية تميزهم عن غيرهم من المسلمين، ولهذه الظاهرة شواهد كثيرة جدا في الخطاب الديني لدينا. وكذلك ما كتبتْه الأستاذة سحر الرملاوي عن معاملة الهيئة للنساء في المسجد النبوي الشريف (جريدة الرياض، 14 / 5/1426هـ).وكثيرا ما يعتذر عن تقصير الهيئة بحجج غير مقنعة. وهي حجج دأب المسؤولون عنها على ترديدها منذ زمن طويل. ومنها ما ورد في مقابلة مع الرئيس العام الأسبق للهيئة الشيخ عبد العزيز السعيد (الحياة، 27/ 4/1426هـ).يقول الشيخ السعيد: ". . . عندما تسلمت العمل وجدت أكثر العاملين في الهيئة على المراتب 31 و 32 و 33 وكانوا بلا تأهيل علمي وشرعي جيد وكان بعض المسؤولين يفضلون تعيين من لا يملك علما لأجل ألا يناقش ولا يفكر بل ينفذ المطلوب فقط. . .". ويعني هذا أن بعض منسوبي هذا الجهاز المهم ليسوا مؤهلين علميا ولا شرعيا. وربما كان هذا هو السبب في ما يشتكي منه كثير من المواطنين منذ سنين من غير أن يأبه أحد بشكواهم. ويستمر الشيخ السعيد في وصف الحال التي كانت عليها الهيئة حينذاك قائلا إنه فشل ". . . في إقناع البعض بأن معظم التجاوزات التي يتهم بها أفراد الهيئات ليست من قبلهم بل من قبل بعض المتطوعين المتحمسين الذين ليست للهيئة سلطة عليهم. وكانت أيديهم مطلقة. وهذا ليس معناه أن أفراد الهيئة معصومون". ويصف معاناته أثناء عمله قائلا: ". . . وجدت بعض التجاوزات التي لا تستند إلى نص شرعي فعملت على تلافيها ووجدت ممانعة من بعض الناس لأنهم منذ زمن وهم على ذلك ولم يلاحظ عليهم شيء، وأسوأ شيء أنه قد تتم تجاوزات باسم الدين والدين منها براء! وحاولت إقناع بعض رجال الهيئة بأن يكون ديدنهم السماحة واللطف وعدم الغلظة. ولكن حماسة بعضهم وعدم تهيئته العلمية الصحيحة يؤديان دورا بارزا في بعض التجاوزات من جانبهم".وتبلغ تصريحات الشيخ السعيد حدا عاليا من الشجاعة لا يجرؤ على مثله أكثر المواطنين. ذلك أن نقد الهيئة صار في مصاف الذنوب الكبيرة؛ بل وصل الأمر بأحد المتطرفين إلى القول في أحد المواقع الإنترنتية المتطرفة بأن "من تكلم في الهيئة فاتهمه على الإسلام". أي أن من ينتقدها لا بد أن يكون مدخولا في دينه.ولنا أن نسأل، بعد مرور ما يقرب من عشرين سنة على وضع الهيئة الذي وصفه الشيخ السعيد عند توليه رئاسة هذا الجهاز: هل تغير وضعها الآن، خاصة بعد الإصلاحات التي أشار الشيخ السعيد إلى أنه أجراها؟ويكمن جواب هذا السؤال في الخبر الذي أوردته جريدة الحياة على صفحتها الأولى في 5 /5/ 1426هـ بعنوان "مداخلات ساخنة في الشورى حول عمل هيئة الأمر بالمعروف".يقول الخبر: "انتقد تقرير للجنة الشؤون الإسلامية وحقوق الإنسان في مجلس الشورى السعودي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم وجود خطة تشغيلية . . . تسير عليها وتعمل على تحقيقها. . . وهو الأمر الذي يتعذر معه إعداد تقاريرها السنوية. . . . ولاحظ. . . ضعفَ الإمكانات البشرية ونقص التشكيل الوظيفي المؤهل، إضافة إلى تدني في مستوى مراتب وظائف الهيئة الميدانية . . . وهذه المراتب المتدنية لا يلتحق بها إلا ذوو المؤهلات الدنيا الكفاءة والثانوية، إضافة إلى صغر أعمارهم ما يؤدي إلى تدني مستوى الأداء"، وأشار التقرير إلى عدد من المآخذ الإدارية التي لا تساعد الهيئة على ". . . تولي الإشراف على إجراء البحوث والدراسات للقضايا الخطيرة التي يكثر وقوعها لمعرفة أخطارها على المجتمع وكيفية التغلب عليها".ويعني هذا أن الهيئة على حالها الآن لا تزال في وضع قريب من الوضع الذي وصفه الشيخ السعيد: فكثير من المنتسبين إليها ليسوا مؤهلين تأهيلا كافيا يجعلهم قادرين على التعامل مع كثير من الأمور التي تدخل في اختصاصها.
ومن هنا فالأسباب التي أدت إلى عدم تعامل الهيئة مع الجرائم التي كشفت عنها أجهزة الأمن في الأشهر الماضية تتلخص في أنها تصرف جل اهتمامها إلى صغائر الأمور، وتعود إلى المستوى العلمي والشرعي غير الكافي عند كثير من المنتسبين إليها، وإلى ضعف إمكاناتها التي لم تستطع، على الرغم من مضي عشرات السنين على تأسيسها، أن تتجاوزها، وإلى فتحها الباب لانضمام بعض المتحمسين من المتطوعين غير المؤهلين إليها، وهم الذين يتسببون في تشويه سمعتها، كما يقول المسؤولون عنها. وتتضافر هذه الأسباب جميعا لينتج عنها الحدُّ من قدرة الهيئة على القيام بالواجبات التي يجب أن تقوم بها، وهو ما يجعلها تركز جل نشاطاتها على التعاطي مع الأمور البسيطة التي حددتها لها الاختيارات الفقهية المحلية المتشددة.ومما يبشر بخير إنشاءُ معهد لتدريب من يريدون الالتحاق بهذا الجهاز المهم. ومما يجعل هذا المعهد واعدا أنه سيكون في المدينة المنورة، وربما يكون ذلك سببا رئيسا في إكساب هؤلاء المتدربين شيئا من دماثة أخلاق أهل المدينة التي اشتهروا بها في ذلك الجوار الكريم.