مثال على التقليد
شاع حديثا في المجال الفقهي في المملكة أنه ينبغي الرجوع إلى الدليل في استنباط الأحكام الفقهية وعدم التقليد المذهبي. لكن الممارسة الفعلية لا تؤيد في كثير من الأحيان مثل هذا الانطباع. ذلك أن بعض فقهائنا يكشفون أحيانا أن بعض الأحاديث التي يستشهد بها على بعض الممارسات ليست صحيحة من حيث الرواية، لكن هذا الاكتشاف لا يجعلهم يتخلون عن تقليد الفقهاء السابقين في العمل بتلك الأحاديث المشكوك في صحتها، بل إنهم يوردون بعض الحجج ليدافعوا عن التقليد السائد.ومن الأمثلة الأخيرة على هذا ما دار من نقاش عن دية المرأة: هل هي مساوية لدية الرجل أم إنها على النصف منه.وقد شارك في هذا النقاش الشيخ يوسف القرضاوي الذي أجاب حين سئل عن هذا الأمر مستشهدا بالآية الكريمة (النساء 92).ثم قال: "لا بد لمن يريد تجديد الاجتهاد في هذه القضية دية المرأة، أن ينظر فيها من خلال أدلة الأحكام أو مصادر التشريع كلها: القرآن والسنة والإجماع والقياس.والمصادر التبعية كلها المصلحة المرسلة والاستحسان وغيرهما.ومن نظر في القرآن وجد فيه الآية الكريمة التي ذكرناها من سورة النساء، وهي آية بينة محكمة واضحة الدلالة.والمتأمل في هذه الآية القرآنية يرى أنها لم تميز في الحكم بين رجل وامرأة في وجوب الدية والكفارة، والدية هي: حق أولياء الدم، والكفارة هي: حق الله...".1
أما أحد فقهائنا الفضلاء فقد أجاب بإجابة وافية، حين سئل مثل هذا السؤال، أشار فيها إلى رأي الشيخ القرضاوي فقال:"ما نفاه فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في حديثه عن دية المرأة المسلمة في الخطأ، وأنها ليست على النصف من الرجل، مسألة مستندها جملة (دية المرأة نصف دية الرجل) تنسب إلى حديث عمرو بن حزم الأنصاري في كتاب كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لما بعثه إلى نجران - والحديث في أسانيده كلها نظر- قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ولا ينبغي الأخذ بها، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبدالله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وفي إسناد كل منها نظر)، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير على جملة (دية المرأة نصف دية الرجل): (هذه الجملة ليست في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنما أخرجها البيهقي في السنن الكبرى من حديث معاذ بن جبل، وقال إسناده لا يثبت مثله)، وقد تتبعت طرق وأسانيد حديث عمرو بن حزم المشار إليه في كتب السنة، ولم أجده مسندًا مرفوعًا إلى رسول الله بطريق صحيح، فضلاً عن أن الجملة المذكورة لا توجد في الحديث، مع أن (الوجادة) أضعف طرق تحمل الرواية عند المحدثين.
والغريب أن ابن قدامة في كتابه (المغني) حكى عن ابن المنذر وابن عبدالبر الإجماع على أن دية المرأة على النصف من الرجل، واستند إلى هذه الجملة التي لا توجد في حديث عمرو بن حزم، في حين رد على بعض المخالفين في تنصيف الدية، ووصف رأيهم بالشذوذ مع استدلالهم بجملة في حديث عمرو بن حزم موجودة في كل رواياته تقريبًا وهي (في النفس المؤمنة مئة من الإبل) فقد استدل لرأيه من الحديث بجملة مفقودة وحكم بشذوذ رأي مخالفيه باستدلالهم بجملة من الحديث موجودة، مع أن الحديث في صحة ثبوته نظر فضلاً عن الجملة موضع الخلاف حيث لا توجد في الحديث أصلاً، وما حكاه ابن المنذر وابن عبدالبر من الإجماع على النصف في دية المرأة إجماع لا يحتج به؛ لأنه إجماع في المذهب الواحد، وقد نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى إجماعات ابن المنذر وابن عبدالبر والنووي، حيث يذكرون الإجماع ثم يعقبونه بذكر الخلاف مما يدل على أنهم إنما يقصدون الإجماع داخل المذهب لا غير.
والقرآن الكريم ليس فيه دليل على تنصيف الدية بين الرجل والمرأة، ولم يثبت في ذلك حديث صحيح، وكل ما فيه حديث عمرو بن حزم.أما ثبوت أصل الدية - وأنها مئة من الإبل مختلفة الأسنان، وتقوّم أثمانها بالنقد والأعيان من زمن إلى آخر- فلا شك في هذا، بل إن جملة (في النفس المؤمنة مئة من الإبل) في حديث عمرو بن حزم ما يوصي بمساواة دية المرأة بدية الرجل؛ لأن كلاً منهما نفس مؤمنة، وأيضًا ثبوت القصاص بين الرجل والمرأة دليل قوي بالمساواة بالدية عند عدم القصاص كقتل الخطأ وشبه العمد، وقياس الجمهور دية المرأة على تنصيف الميراث مع الرجل قياس مع الفارق والعبادات والمقدرات لا يدخلها القياس. ومع هذا فإن ظواهر الأدلة مع ما يقوله الشيخ يوسف القرضاوي...".
والمتصوَّر، بعد هذه الإجابة المفصلة التي بين فيها هذا الشيخ الفاضل عدم وجود مستند نصي للقول بأن دية المرأة نصف دية الرجل، أن يكون الحكم المستخلص أن دية المرأة مساوية لدية الرجل.إلا أنه، وعلى غير المتوقع، أضاف: "ولكن حقيقة الأمر والصواب فيما يظهر لي - والله أعلم- مع القول بأن دية المرأة المسلمة في قتل الخطأ على النصف من الرجل لأمور منها: 1- إجماع الصحابة على هذا الأمر - أي التنصيف - حيث لم ينقل عن أحد منهم قال بخلافه، ثم اتفاق الأئمة الأربعة على هذا بمثابة الإجماع أيضًا، والإجماع عند العلماء أقوى من النص، فهو ينسخ ولا يُنسخ؛ لأنه لا يكون إجماعًا إلا وهو مستند على نص شرعي، سواء علمنا هذا النص أو جهلناه. 2- يوجد بعض أحاديث لم تصح نسبتها إلى الرسول، بل لم يوجد لها إسناد أصلاً، وقد اعتمدها العلماء كحديث (لا وصية لوارث) مع أنه لا يوجد له إسناد، ومع ذلك قالوا: إنه نسخ آية "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ" [البقرة:180]. فحديث عمرو بن حزم وإن ضعف إسناده فقد تلقاه العلماء بالقبول فيجب الأخذ به -سواء وجدت هذه الجملة أو لم توجد- (دية المرأة نصف دية الرجل) وربما يوجد كتاب عمرو بن حزم كاملاً في المستقبل وفيه هذه الجملة موضوع البحث فيرتفع الخلاف حينئذ.3- قال العلماء المحققون كابن تيمية والسبكي وابن عبدالسلام (إن شهرة الحديث تغني عن إسناده) فأخذوا بأحاديث في أسانيدها نظر، كحديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)، وحديث (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)، وحديث (اختلاف أمتي رحمة) ولا يوجد له إسناد البتة، وحديث معاذ لما أرسله الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضيًا (بم تحكم؟ قال بكتاب الله... الحديث) بل جعله العلماء دليلاً ومستندًا (للقياس) أحد أركان التشريع الأربعة مع ضعف إسناده. 4- إذا كان الناس عملوا بعمل -زمنا أو أزماناً- وهذا العمل لا يخالف نصًا صريحًا من القرآن أو السنة فإن نقلهم عنه أو الإنكار عليهم لا يجوز، وهذا يسمى عند العلماء (عمل الناس) والمراد بالناس العلماء، حيث هم قادة الأمة، ولهذا كثيراً ما يقول العلماء في كتبهم مثل هذا، فالإمام الترمذي مثلاً يذكر الحديث في سننه ويبين ضعفه أحياناً ثم يقول: "ولكن عمل الناس عليه". وقال في كتابه (العلل) كل ما في كتابي (السنن) ثابت يعمل به ما عدا أربعة أحاديث وذكرها. والمالكية جعلوا (عمل أهل المدينة) أصلاً من أصول التشريع بعد القرآن والسنة وقدموه على الإجماع والقياس".
ثم ينهي الشيخ الفاضل هذا البحث النفيس قائلا: "والخلاصة في الأمر أن ظواهر الأدلة مع الشيخ يوسف القرضاوي ومن وافقه ولكن لا أرى مصلحة في إثارتها في الوقت الحاضر، وعدم الخروج على ما أجمعت عليه الأمة عملياً منذ قرون خير من رأي يشوش على الناس ويهدم ولا يبني، والله أعلم".
وقد أوردت هذا الفتوى بنصها كاملة تقريبا، مع الاعتذار للقارئ الكريم، لكي أدلل على أن ما يشاع في المجال الفقهي عندنا من أن الاحتكام إلى النص هو الفيصل في اختيارات فقهائنا ليس على إطلاقه. ذلك أننا نجد هنا أن الحديث الوحيد الذي يمكن أن يستدل به على أن دية المرأة نصف دية الرجل لا يمكن الاحتجاج به.
ومع هذا يلجأ هذا الفقيه الفاضل إلى سبل أخرى، ربما لا تقنع كثيرا من الناس، لتثبيت هذا الحكم الذي ربما كان السبب في شيوعه قديما النظرة المتحيزة التي كانت سائدة في القديم ضد المرأة. ولا بأس من القول بأن السبب الذي جعل الشيخ القرضاوي يصل إلى هذا الرأي ربما يكمن في المكانة التي حققتها المرأة المصرية في هذا العصر، في المدن خاصة. أما نظرة فقيهنا الفاضل فمحكومة بالمعاملة التقليدية التي تعامل بها المرأة في مجتمعنا المحافظ.
